خاص – بالصور: رفع الأيقونة في الأحد الأوّل من الصوم

جورج عبيد –
 

يرفع المسيحيون المستقيمو الرأي هذا الأحد الأوّل من الصيام أيقوناتهم في الكنائس ويطوفون بها ويسجدون لأيقونة السيد طالبين المغفرة والرحمة ومكرمين والدته مستمدين منها الحنان ومنغمسين في مصف القديسين مستشفعين إياهم وراجين معهم أن تكلل حياتنا بالقداسة الدائمة.
من شأن هذا المشهد أن يقود المؤمنين إلى سياقه التاريخيّ الصحيح والذي يعود إلى القرن السادس وتحديدًا إلى سنة 726م وقد امتدّت إلى سنة 787م ضمن مرحلة أولى حيث قام الإمبراطور ليون الثالث بمهاجمة الأيقونات وحطمها وأتلفها، وقتل كل من قام بإكرامها والسجود أمامها، إنها حقبة اضطهاد عنيف للغاية ولم نتته إلاّ سنة 787 يوم قامت الإمبراطورة إيريني بإيقافها فانعقد المجمع المسكونيّ السابع في السنة عينها في نيقية ليتمّ إقرار الإكرام لها بصورة مجمعية وعقيديّة.

وفي القرن السابع بلغ المسيحيون المرحلة الثانية من الاضطهاد والتحطيم لتبدأ من سنة 813م وتنتهي سنة 824م على يد الإمبراطور ثيوفيل حتى أصدرت الإمبراطورة ثيودورة أمرًا واضحًا سنة 824م وأوقفت الاضطهاد العنيف ورفعت الإيقونات في الكنيسة معترفة بها فعدّ ذلك انتصارًا للإيمان القويم القائم في الكلمة وفي المناولة الإلهيّة وفي الأيقونات المكمّلة ببهائها لهذا السطوع اللاهوتيّ-العقيديّ، الذي يعني المؤمن فردًا والمؤمنين كجماعة تحيا في الإيمان عينه.

شاءت الكنيسة الأرثوذكسيّة على وجه التحديد أن تجعل من الأحد الأوّل من الصوم عيدًا لانتصار الأيقونة وانتصار الإيمان كلّه معها. فالسجود لها ليس سوى سجود للعنصر الأوّل أي إلى المسيح المخلّص الذي تراه مضيئًا منها وفيها. أن يذوب المؤمنون في هذا الوهج فذلك فها يعني الذوبان في هذا الوجه، يجيئون منه ويرحلون إليه، وبين المجيء والرحيل لا ينفصلون في دنياهم عن البهاء المشاهَد فيها والملموس بالإحساس الرؤيويّ والتقويّ، والمقروء في البعد اللاهوتيّ-العقيديّ، فهي تجسّد ما جاء في إنجيل يوحنّا عن الكلمة بأنّه كان في البدء، وفي اكتمال الأزمنة وكمالها صار الكلمة جسدًا وحلّ بيننا، الأيقونة على وجه التحديد تحمل الكلمة بحدّ ذاته إلى المؤمنين كما في الإنجيل، فهي إنجيل يرى كما عندنا الإنجيل يقرأ، ولذلك فالأيقونة تكتب ولا ترسم لأنها حاوية الكلمة وقرينة به، هي نافذة الملكوت فنرى وبحسب الإنجيل ملائكة الله تصعد وتنزل، هي مطلّ الأرضيين إلى السماء ومطلّ السماء إلينا حتى تتكسّر الترابية بالنور الساطع منها.

جمال هذا الأحد متوّج بتكريمها ومكلّل بضيائها. يعيدنا هذا الأحد على وجه التحديد إلى جوهر الظهور والتجسّد في التاريخ، يقودنا إلى حقيقته المطلقة وما كان لهذه الحقيقة أن تنكشف وتسمو بنا إلاّ حين قرّر السيّد نفسه أن يعلو ويعلّق على الخشبة ليتمم بموته وقيامته كلّ برّ فينا. بمعنى أنّ الأيقونة تعيدك إلى اللحظة الأولى للتجسّد في بيت لحم وإلى استكمال عناصره الحسيّة في فلسطين على نهر الأردن لحظة اقتبل الصبغة من يوحنّا المعمدان ليبدو الثالوث طاغيًا فوق النهر، وإلى جبل التجلّي وقد ظهر نورًا في وسط نبيين من العهد القديم موسى وإيليّا، وأعلن الله في الحادثتين اينه حبيبًا “فله اسمعوا” ، في العظة على الجبل وفي بحيرة طبريا وصولاً إلى شفائه المرضى وإقامته الموتى ومنحه البصر للأعمى وإشباع الجياع الخمسة آلاف من السمكتين والخمسة أرغفة إلى أعجوبة قانا الجليل بتحويله الماء خمرًا وصولاً إلى قمة رائعة من قممه وهي خطاب العهد عند إنجيل يوحنّا وبعد ذلك تمّم اللحظة بالذروة القصوى بموته ومن ثمّ قيامته لتبدو أيقونة الصلب ومن ثمّ أيقونة القيامة قمّة كونيّة حاوية لهذا الارتباط المتين والمعبّر بين الخير والحقّ والجمال.

الأيقونة تعيدنا إلى مجموع تلك الأحداث وقد كتبت على الخشب بالألوان وبالوجه النورانيّ. فالأحد هذا استجماع لها كلّها في الأيقونة، نرفعها إلى الأعلى بمعنى أننا نسير فيها كأحداث خلاصيّة أفضت إلى تكويننا بهذا الدم الإلهيّ الذي سفك لأجلنا، والنور العظيم المشرق من دماء المعلّم، وبغير ذلك ما كنّا وما تكوّنا. فالطريق إلى الموت والقيامة تبدأ بالأيقونة فيما يجوز المؤمنون صيامهم ابتغاء رضى الله، وليس من رضى إلاّ بالارتفاع إلى وجهه الكريم بل الأكرم والأنقى والأبهى. الأيقونة سلّم إلى السماء، وكما قال السيّد لنثانائيل “الحقّ الحقّ أقول لكم، من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان” (يو1: 51). فمتى قرأت الكلمة ساطعًا من الأيقونة وذقته مشرقًا منها إلى داخلك كما تأكله في الكتاب والمناولة أو كما تأكل الكتاب وهو في بطنه راقد، (خذ هذا الكتاب وكله، فسيجعل جوفك مرا، ولكنه في فمك يكون حلوا كالعسل (رؤيا يو10: 9))، فحينئذ ترى الملائكة تصعد وتنزل، وهذا سيرى بالفعل يوم يعلّق على الخشبة أو “يوم يموت ويبعث حيًّا” في الأسبوع العظيم المقدّس.
العودة إلى الأيقونة بهذا المعنى والسجود أمامها وإكرامها ورفعها سياق عقيديّ متكامل، فكما أنّ دستور الإيمان الذي يتلى في الكنيسة يعبّر عن هذا السياق عينه، فالأيقونة تكمله وتتمّمه بل تمتمه بوضوح. هذا يعني في حقيقة الأمر، بأنّ المسيحيّ بأيّ تعبير من تعابير الوجود، كان يجاهر بإيمانه مجاهرة الوجد والعهد والوعد. ذلك أنّ الاحتفال بالأيقونة أو بالأعياد كلّها وصولاً إلى الفصح، ليس مجرّد تمتمات طقوسيّة ومنمنات فنيّة على الرغم من جمالها الآسر وانتظارنا لها، لسنا أمام “مسرحيّة إلهيّة” تترجم بحركة طقوسيّة مجرّدة، بقدر ما هو اختلاج بالمسيح عينه، أي بهذا المعنى والعنوان الجوهريّ والوجوديّ لهذا الصيام القائد نحو الهدف الخلاصيّ الكامل، فليس من مسيحيّة منفصلة عن هذا المعنى، وليس من مسيحيين بلا هذا المعنى بالذات، الرصف البيولوجيّ المطلق تراب هو، فالمؤمن يرتضي أن يكون على وجه التحديد آنيّة خزفيّة ليبيت فيه هذا المعنى ككنز سرمديّ، ليتحرّك هو بهذا المعنى كما يتحرّك المعنى به في الوجود، إنها علاقة وحدة يحتدم فيها العشق.

 

فكلّ تعبير سواءً كان سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو كيانيَّا، يقوله هؤلاء القوم خارج المعنى الحقيقيّ المكنون في أعماق أعماق الوجود، لا يمكن له أن ينحت وجودًا ثابتًا وراسخًا. لقد كلّفت الأيقونة شهداء كثرًا ودماء غسلت الأرض بالشهادة بالمضمون والمعنى، وقبل ذلك كان المسيحيون الأول يشنّع عليهم، وقد ذاقوا الهزء والجلد والموت، وما كانوا يأبهون لأنّ المعنى كان هو المبتغى، أي أن يولد الكون منه بالذات. ملاعب روما تشهد لدماء أهرقت في سبيل المسيح ملك المجد، لم ينحدر المسيحيون إلى الهاوية إلاّ حين خرجوا من الحقّ الكامل والحقيقة الكليّة، وابتدعوا لأنفسهم نظمًا وحقائق على مقاساتهم فحولوها إلى مقدسات، وجعلوا منها عقائد لا يسوغ المسّ بها. فباتت المسيحيّة واحدة شرقيّة وأخرى غربيّة، واحدة مسودة وأخرى سيدة، ليبدأ الصراع حول السلطة، فانطلق العالم نحو خواء واضح، لنرى في عصرنا الحاضر أوروبا تجتاحها العلمانية المغلقة أو بتعبير آخر العلمانويّة المغلقة، بوجه تكفير وأصوليات دينية مغلقة، فلم يعد الفاتيكان يملك القدرة على رعاية أوروبا بالمطلق، فيما مسيحيو المشرق العربيّ يعانون من الاضطهادات وبنزحون عن تراثهم وعن أمكنتهم، والكنائس شرقيّة كانت أو غربيّة تتمزّق بسبب النزاع البنيويّ على السلطة وعلى الجغرافيات داخل الكنيسة الواحدة وبين الكنائس، فيما المعنى في مكان آخر.

أن تصوم أو تصلي وترفع الأيقونة وتقرا الإنجيل وتتناول جسد الرب وتحتفل بالآلام والقيامة بلا تجسيد وترسيخ على مستوى الحياة الفرديّة وصولاً إلى الحياة الكنسيّة فهذا لا معنى له على الإطلاق. حتمًا إن ثمّة أزمة فرديّة في علاقة الفرد بربّه وبكنيسته، وثمّة أزمة في علاقة الكنيسة بأفرادها حين تبطل فيها وعند رعاتها المحبّة المجانيّة كما أسماها الأب ألكسندر شميمان، حين تتحول الكنيسة إلى مؤسسة تبغي الربح فقط الربح وتتناسى الرسالة الرسوليّة ببهائها وضيائها، وتنسى “أنّ ثمّة جياعًا بحاجة إلى أن يكسر لهم الخبز” كما قال المطران جورج خضر مرّة، لم يعد الخبز المادّة التي تؤكل، إنه خبز المحبّة الذي يؤكل، وهو الذي صار جسد المسيح في العشاء الأخير، والخطورة القصوى بدورها أنّ هذه الأزمة متفشيّة في تمزّق جسد المسيح مع عدم توصّل الكنائس المسيحيّة إلى حالة وحدويّة تنظمها وحدة المجامع المسكونيّة السبعة الأولى كما في الألفيّة الأولى.
رفع الأيقونة في الكنيسة الأرثوذكسيّة يعيدنا إلى حقيقة وجودنا إلى ينابيعنا الأصيلة، إلى حقيقتنا الثابنة والراسخة، وفي هذا المسرى ليس المهم رفع الأيقونة في تطوافات داخل الكنائس وخارجها بل أن تقودك المحبة الواحدة لإلهك ولمحيطك ولكلّ الناس لتصير بدورك أيقونة بهية للسيد يتمتّع بها فيراك في مسيرتك نحو القيامة ضياء على صورته ومثاله.

 

لمتابعة الخبر اضغط على موقع اضغط علىالرابط التالي

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة