
«اليوغا هي هدية لا تقدر بثمن تهديها التقاليد الهندية القديمة لكل من يمارسها، وهي تهدف إلى تحقيق الوحدة بين العقل والجسم، وبين الفكر والعمل، وتحقيق التوازن بين الانضباط والإشباع، والانسجام بين الإنسان والطبيعة.
فهي منهج شامل لتحصيل الصحة والسعادة.
ولا يمكن اختزال اليوغا في بضعة تمارين، ولكنها معنية بتحقيق التوافق بين أنفسنا وبين العالم والطبيعة، من خلال تغيير نمط حياتنا وتنمية الوعي، ويمكنها أيضا أن تساعدنا حتى في التعامل مع تغيرات المناخ وتقلبات البيئة.
فلنعمل نحو تخصيص يوم عالمي لليوغا».
تلك هي كلمات السيد رئيس وزراء الهند «شيري نارندرا مودي»، في الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة (UNGA) في 27 سبتمبر 2014، وذلك بمناسبة موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة المكونة من 193 عضوا، على اقتراح توافقت عليه آراء 177 دولة راعية، على قرار اعتبار يوم 21 يونيو هو «اليوم العالمي لليوغا».
وقد أقرت الجمعية العامة في قرارها أن اليوغا تقدم نهجا متكاملا للصحة والعافية، ينبغي نشر المعلومات عنه على أوسع نطاق لتحقيق الاستفادة من ممارسة اليوغا لسكان العالم.
كذلك فإن اليوغا تحقق التوافق والانسجام في جميع مناحي الحياة، وبالتالي، فهي تساعد على الوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة وتحقيق الإدارة السليمة للعديد من الاضطرابات المرتبطة بنمط الحياة.
ما اليوغا؟
«اليوغا» في أساسها هي نظام روحاني مبني على أساس علمي دقيق للغاية، يرتكز على تحقيق التناغم والانسجام بين الروح والجسد، من أجل حياة صحية سليمة. وقد اشتقت كلمة «يوغا» من اللغة السنسكريتية، حيث تعني الكلمة «الانضمام»، و«الارتباط» أو «التوحد».
يؤدي التدريب على «اليوغا» إلى اتحاد الوعي الفردي مع الوعي الكوني.
ومن ينضم أو يرتبط أو يتوحد مع هذا «الوعي الكوني» هو من يطلق عليه أنه في حالة «اليوغا»، وهو بذلك يصل إلى درجة «اليوغي»، بمعنى أنه وصل إلى حالة من الحرية والانسجام، يشار إليها بـ «موكتي»، «نيرفانا»، «كايفاليا»، أو «موكشا».
تشير «اليوغا» أيضا إلى نوع من المعرفة الداخلية والتي هي مجموعة من الأساليب المختلفة التي تمكن الانسان من الوصول إلى حالة من الوحدة والانسجام بين الجسد والعقل، بهدف تحقيق أقصى ممكنات الذات.
إن الهدف من ممارسة «اليوغا» (سادهانا) هو التغلب على الألم والمعاناة بجميع أشكالها، بحيث يصل الانسان إلى حالة من الاحساس بالحرية في كل مسار من مسارات حياته بتحقيق الصحة المتكاملة، والسعادة والتناغم.
لمحة تاريخية عن اليوغا وتطورها
يرجع علم «اليوغا» إلى آلاف السنوات من الحضارة القديمة، في فترة ما قبل ظهور المعتقدات الدينية الاولى.
وفقا للمعرفة التقليدية لعلم «اليوغا»، فقد عرف «شيفا» بأنه أول ممارس لطريقة «اليوغا»، فكان أول «غورو» أو «آديوغي»، كما عرف بالمعلم الأول أو «آديغورو».
فمنذ الآف السنوات، وعلى ضفاف بحيرة «كانتي ساروفار» في جبال الهيمالايا، صب« آديوغي» معرفته العميقة عن اليوغا في أسطورة «الحكماء السبعة»، وهم الحكماء الذين حملوا ونقلوا ونشروا «علم اليوغا» إلى أماكن مختلفة في أنحاء العالم، ومنها آسيا، والشرق الأوسط، وجنوب أفريقيا وأميركا الجنوبية.
لاحظ علماء العصر الحديث أوجه التقارب بين ممارسات الثقافات القديمة في جميع أنحاء العالم، إلا أن الهند هي المكان الذي عرف بزوغ «نظام اليوغا» بشكله المتكامل والتام، وقد قام كل من «أجاستيا» و«سبتاريتشي» بالسفر عبر كامل شبه القارة الهندية، للوصول إلى معرفة الصياغة الكاملة لثقافة «اليوغا» وتأسيس كل ما يحيط بها باعتبارها نمطا من الحياة الصحية الروحانية الصالحة.
تعرف «اليوغا» بأنها «نتاج الثقافة الخالدة» التي لم تذو من حضارة وادي السند، والتي ترجع إلى 2700 قبل الميلاد، وقد أكدت «اليوغا» قدرتها على الاستمرار في تلبية الاحتياجات المادية والمعنوية لممارسيها، وترقية الروح الانسانية. فمن قديم الزمن، توجد حفريات وآثار من حضارة وادي السند تجسد شكل شخصيات تمارس حركات «اليوغا سادهانا» وهو ما يشير إلى وجود «اليوغا» في حضارة الهند القديمة.
كذلك تشير الحفريات والآثار القديمة إلى وجود علم «التانترا يوغا».
كما تظهر «اليوغا» أيضا في بعض التقاليد الشعبية القديمة وفي التراث الفيدي والأوبانيشادي، وفي التقاليد البوذية والجاينية، والدارشانسية، وفي ملاحم ماهابهاراتا وتشمل الرامايانا، وتقاليد شيفا، وفايشنافاس وتقاليد التانترا.
قد بدأت ممارسة رياضة «اليوغا» في الهند في فترة سابقة على «الفيدا»، وقد قام الحكيم العظيم «مهاراتشي باتانجالي» بتأصيل وتنظيم ممارسة اليوغا التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وحدد معانيها وارتباطها بالمعرفة الروحانية في علم «اليوغا سوترا» الذي تطور على يد «باتانجالي».
عقب الحكيم باتنجالي، ساهم العديد من الحكماء وأساتذة اليوغا بشكل كبير في المحافظة على وتنمية نظام «اليوغا» من خلال توثيق الممارسات وكتابة الأدبيات وتسجيلها.
وقد انتشرت «اليوغا» في أنحاء العالم عن طريق انتشار هؤلاء الحكماء ونشرهم لتعاليم «اليوغا» المستمرة منذ العصور القديمة وحتى وقتنا الحالي.
أما اليوم، فإن الجميع لديه المعرفة الكافية عن ممارسات «اليوغا» وعن الدور الذي تقوم به للوقاية من الأمراض والمحافظة على الصحة.
قد استفاد الملايين عبر العالم بالفعل من ممارسة «اليوغا»، حيث تنتشر وتزدهر ممارسة «اليوغا» في كل مكان بالعالم يوما عن يوم.
مبادئ اليوغا
تعمل «يوغا» على مستويات: الجسم، والذهن، والانفعالات، والطاقة، وهو ما نتج عنه تقسيم «اليوغا» إلى 4 أنماط هي:
«يوغا كارما» وتقوم على إدارة الجسم، «يوغا جنانا» وتقوم على إدارة الذهن، «يوغا بهاكتي» وتقوم على إدارة الانفعالات، وأخيرا «يوغا كريا» وتقوم على إدارة الطاقة.
وكل تدريب من تدريبات اليوغا يقع ضمن نمط أو أكثر من هذه الأنماط الأربعة.
ذلك ان كل فرد توجد بداخله تركيبة فريدة من المزج بين الجسد والروح تجعله بحاجة إلى إدارة هذه الأنماط الأربعة بأشكال مختلفة.
وكانت التعاليم القديمة تقضي بضرورة العمل تحت إشراف وإرشاد من «غورو» أو معلم.
المدارس التقليدية لليوغا
أدى وجود تنوع في الفلسفات والتقاليد والسلالات ونظريات كل «غورو» في «اليوغا» إلى نشأة مدارس مختلفة في «اليوغا»، وتتضمن جنانا يوغا، بهاكتي يوغا، كارما يوغا، باتانجالا يوغا، كونداليني يوغا، هاثا يوغا، دهيانا يوغا، مانترا يوغا، لايا يوغا، راجا يوغا، جاين يوغا، بودها يوغا… إلخ.
وكل مدرسة من هذه المدارس لها منهج وممارسات خاصة بها ولكنها تقود في النهاية إلى تحقيق الغاية والأهداف المرجوة من «اليوغا».
ممارسة اليوغا للصحة
إن أكثر تمارين «يوغا سادهانا» ممارسة وانتشارا هي: ياما، نياما، آسانا، براناياما، براتياهارا، دهرانا، سمادهي، باندهاس، مودراس، شاتكارماس، يوكتاهارا، مانترا-جابا، يوكتا-كارما… إلخ.
«ياماس» هي القيود، بينما «بياماس»: هي الطقوس، وهما من الشروط اللازم اجتيازها مسبقا لممارسة المزيد من تمارين «اليوغا».
«آسانا»: هي القدرة على إحداث توازن واستقرار الجسم مع الذهن
«كيوريات ـ تاداسانام ـ سثايريام»: تتضمن اتباع مناهج تربط الطبيعة النفسية مع الطبيعة المادية للجسم للحفاظ على وضعية مستمرة للجسم (وعي مستقر بوضعية الإنسان داخل هيكيلية الوجود) لأطول وقت ممكن.
«براناياما»: تتضمن تطوير الوعي بطرق التنفس التي يمارسها الشخص، يعقبها التنظيم الواعي المتعمد لطرق التنفس، باعتباره دور حيوي لوجود الانسان، كما تساعد في تطوير الوعي العقلي للانسان بالاضافة إلى التحكم في الذهن. في المراحل الأولي، يتم ذلك من خلال تطوير الوعي بما يتم من «توالي تدفق الشهيق والزفير» (سفاسا ـ براسافاسا) عن طريق فتحة الأنف، والفم، وفتحات الجسم الأخري، ومن خلال مساراتها واتجاهاتها نحو الداخل ونحو الخارج. بعد ذلك يتم إضفاء بعض التعديلات على هذه الظاهرة، من خلال التنظيم والتحكم والمراقبة لعملية الشهيق (سفاسا)، والتي ينتج عنها وعي بامتلاء مساحات الجسم حتى يصبح مشبعا (بيوراكا)، هذه المساحات تظل مشبعة (كيومبهاكا)، ثم تبدأ في التفريغ (ريكهاكا) أثناء التنظيم والتحكم والمراقبة في عملية الزفير (براسفاسا).
«براتياهارا»: وهي تعني انفصال وعي الانسان (الانسحاب) عن الارتباط بالاعضاء الحسية التي ترتبط وتتصل بالاجسام الخارجية.
(دهارانا): ترمز إلى توسيع مجال الانتباه والوعي (داخل الجسم والذهن) والذي عادة ما يعرف بالتركيز.
(دهيانا): تعني التأمل أي تركيز الانتباه داخل الجسم والذهن. و(دهيانا) تعتبر هي جوهر «اليوغا» لأنها تدفع الشخص نحو تحقيق الذات وهو ما يؤدي إلى وصول الشخص إلى حالة من السمو، والذي يعتبر الاساس الذي تعتمد عليه «سادهانا يوغا».
«سامادهي»: تعني تكامل العمليات الذهنية
(باندهاس) و(مودراس) هي ممارسات مرتبطة بـ (براناياما). وينظر إليها كأعلى مستوى في ممارسات «اليوغا» لأنها تعتمد على حركات جسدية محددة بالموازاة مع القيام بالتحكم في عملية التنفس، مما يسهل عملية السيطرة على الذهن ويمهد الطريق إلى بلوغ الهدف الاسمى لليوغا.
«ساتكارماس»: هي عمليات التخلص من السموم ذات الطبيعة الاكلينيكية التي تسربت إلى الجسم من الخارج وهي تساعد على التخلص من السموم المتراكمة في الجسم.
(يوكتاهارا): وهي تتضمن تناول الغذاء الصحي واتباع العادات الغذائية السليمة من أجل حياة صحية.
الإرشادات العامة لممارسة اليوغا
يجب على ممارس «اليوغا» اتباع المبادئ الاسترشادية المذكورة أدناه أثناء أداء تمارين اليوغا:
قبل أداء التمرين
٭ (ساوسا) تعني النظافة ـ وهو شرط أساسي لممارسة «اليوغا»، حيث تتضمن نظافة كل ما هو محيط بها، كالجسد والعقل.
٭ يجب أداء تمارين «اليوغا» في مكان يتسم بالهدوء ويساعد على استرخاء الجسم والعقل.
٭ يجب عند أداء تمارين «اليوغا» أن تكون المعدة فارغة أو خفيفة غير مثقلة بالطعام، ويمكن تناول كمية صغيرة من العسل في ماء فاتر إذا شعر المتدرب بالضعف.
٭ قبل البدء في تمارين «اليوغا» يجب أن تكون المثانة والأمعاء فارغتين.
٭ يجب استخدام حصيرة اليوغا او البطانية المطوية أثناء ممارسة «اليوغا».
٭ يفضل ارتداء ملابس قطنية مريحة لتسهل حركة الجسم.
٭ لا يجب أداء تمارين «اليوغا» في حالات الاجهاد والمرض أو بشكل متعجل أو تحت ظروف يشوبها التوتر الحاد.
٭ في حالات المرض/ الألم/ مشاكل القلب المزمنة، يجب استشارة الطبيب المعالج أو ممارس اليوغا قبل البدء في ممارسة تمارين «اليوغا».
٭ يجب استشارة خبراء «اليوغا» قبل القيام بتمارين «اليوغا» أثناء فترات الحمل والحيض.
أثناء أداء التمرين
٭ يجب بدء جلسات تمارين اليوغا بالتأمل الروحاني، لأنها تضع الممارس في وضعية مناسبة تساعد على استرخاء الذهن.
٭ يجب أداء تمارين «اليوغا» ببطء وهدوء مع توعية وعي بحركات وبحركات التنفس.
٭ عدم إعاقة مسارات التنفس ما لم يتم ذكر ذلك في التمرينات المخصصة لتنظيم التنفس.
٭ يجب أن تتم عملية التنفس دائما عن طريق الأنف إلا إذا تحدد غير ذلك.
٭ عدم دفع الجسم أو إجباره على الحركة بقوة أو بسرعة في أي لحظة.
٭ قم بأداء التمرينات وفقا لقدراتك الخاصة.
٭ قد تحتاج إلى المزيد من الوقت للحصول على أفضل النتائج، لذا عليك الاستمرار في أداء التمرينات بشكل منتظم وهو أمر مهم للغاية.
٭ هناك موانع وقيود لأداء كل تمرين من تمارين «اليوغا» وهذه الموانع يجب دائما الأخذ بها ووضعها في الاعتبار.
٭ يجب أن تنتهي جلسات «اليوغا» بالتأمل والصمت الشديد/ شانتي باثا.
بعد أداء التمرين
٭ الاغتسال يكون بعد مرور حوالي 20 ـ 30 دقيقة من انتهاء التمرين.
٭ تناول الطعام يكون بعد مرور حوالي 20 ـ 30 دقيقة من انتهاء التمرين.
غذاء الفكر
يمكن وضع كل من الجسم والذهن في حالة من المرونة والاستعداد التام لممارسة اليوغا من خلال اتباع بعض التعليمات الغذائية.
فمثلا، عادة ما ينصح باتباع نظام غذائي نباتي.
وبالنسبة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 30 عاما، ينصح بالاكتفاء بتناول وجبتين فقط في اليوم، فيما عدا الحالات المرضية أو حالة مزاولة نشاط بدني مكثف أو حالة العمل المرهق.
كيف تساعد اليوغا؟
إن «اليوغا» هي طريق التحرر من جميع أشكال العبودية.
إلا أن كثيرا من الأبحاث الطبية قد كشفت في السنوات الأخيرة عن العديد من الفوائد البدنية والنفسية التي تقوم بها «اليوغا»، وقد أكدت هذه الابحاث ما سبق وأكدته تجارب الملايين من ممارسي «اليوغا».
وقد أوضحت عينة صغيرة من هذه الأبحاث أن:
٭ «اليوغا» تفيد في استعادة اللياقة البدنية، وتساعد في تطوير أداء الجهاز العضلي الهيكلي، بالاضافة إلى صحة القلب والأوعية الدموية.
٭ تفيد اليوغا في التحكم في مرض السكري، واضطرابات الجهاز التنفسي، وارتفاع ضغط الدم، وانخفاض ضغط الدم والكثير من الاضطرابات المتعلقة بأسلوب الحياة.
٭ تساعد «اليوغا» في الحد من الاصابة بالاكتئاب، والاجهاد، والاضطرابات الناجمة عن القلق والتوتر.
٭ تقوم «اليوغا» بالحد من أعراض سن اليأس.
٭ في النهاية، «اليوغا» هي عملية دمج بين الجسم والذهن، وهي بمثابة مدخل، وليست معرقلا، نحو تحقيق حياة حافلة وكاملة.
لمتابعة الخبر اضغط على موقع اضغط علىالرابط التالي









اضف تعليق